تعد قضية الأمن الغذائي في إفريقيا من أكثر القضايا خطورة في الوقت الحالي, حيث تلقي بظلالها علي مختلف مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية والبيئية, فالأمن الغذائي أصبح معيارا مهما يقاس به مدي ما أحرزه الإنسان من تقدم في خطط التنمية, كما يلعب دورا حيويا في تحديد مصير الشعوب, ونظرا لأهمية هذه القضية فقد قرر الاتحاد الإفريقي اتخاذ موضوع الأمن الغذائي في إفريقيا الشعار الرئيسي لقمة الاتحاد الإفريقي المقبلة وهو الاستثمار في الزراعة من أجل النمو الاقتصادي والأمن الغذائي.
ومفهوم الأمن الغذائي هو قدرة المجتمع علي تلبية الاحتياجات الأساسية لسكانه من الغذاء الأمني والصحي لفترة زمنية, ويعتمد ذلك علي ثلاثة محاور أساسية هي توفير الغذاء, والقدرة علي الحصول عليه واستخدامه.فعلي الرغم من أن إفريقيا هي من أغني القارات من حيث امتلاكها للموارد الطبيعية والثروات الهائلة المتمثلة في المساحات الشاسعة من الأراضي الصالحة للزراعة, والثروات الحيوانية إلا أنها أكثر القارات تعرضا للمجاعات, ومعاناة في توفير الأمن الغذائي, ثلثي دول القارة تعاني من انعدام الأمن الغذائي خاصة إفريقيا جنوب الصحراء, حيث تزداد نسبة الذين يعانون سوء التعذية من180 مليونا إلي300 مليون نسمة بحلول العام المقبل.
وأسباب انعدام الأمن الغذائي في إفريقيا عديدة ومعقدة تشمل فيروس نقص المناعة البشرية الإيدز, ونظم الحكم السيئة والانهيار العام في الخدمات العامة, وعلي رأسها البنية التحتية ووسائل النقل, هذا فضلا عن التغييرات المناخية والبيئية التي زادت من تفاقم الأزمة كالجفاف والفيضانات الذي يؤثر علي موسم الزراعة, وتتأثر به المحاصيل الزراعية بصورة كبيرة, خاصة أن93% من الأراضي الصالحة للزراعة تعتمد أساسا علي الأمطار, وذلك بالإضافة إلي الافتقار لطرق الري والدعم التقني مما يؤدي إلي تآكل مصادر الرزق وزيادة الشعور بانعدام الأمن الغذائي.
وتعد قضية الافتقار لنظم الري في القارة من أهم الأسباب وراء ذلك, حيث تشير تقديرات منظمة الأغذية والزراعة إلي أن7% فقط من الأراضي الزراعية في إفريقيا تعتمد علي الري مقارنة بـ40% من آسيا, علما بأن النسبة في إفريقيا تنخفض إذا ما تم استثناء كل من المغرب ومصر والسودان ومدغشقر وجنوب إفريقيا.
وحسب تقرير الفاو, فإن إفريقيا لم تنجح في استغلال مواردها المائية الاستغلال الأمثل, حيث إنها تستغل4% فقط منها في أغراض الري في حين تصل النسبة إلي17% في آسيا, وذلك لإهدار جزء كبير من المياه المتبخرة, وكذلك عدم وجود القدرة المادية علي إقامة السدود والخزانات لحفظ المياه.
كما أن هناك عوامل أخري يواجهها الأمن الغذائي والتغذية في إفريقيا منها انخفاض حجم المساعدات الخارجية المخصصة لدعم قطاع الزراعة, بالإضافة إلي ركود الإنتاج الزراعي, وإنتاج الحبوب بصفة عامة, كل هذه الأسباب تؤدي إلي تدني الإنتاجية الزراعية وظهور فجوة حادة بين الإنتاج الزراعي والغذاء المتاح, وبين الاحتياجات الغذائية الفعلية لسكان القارة لتصبح إفريقيا بذلك هي القارة الوحيدة التي يتناقص فيها نصيب الفرد من إنتاج الغذاء.
ولمواجهة التحديات التي تواجه الزراعة, وتحقيق الأمن الغذائي في القارة لابد من اتخاذ عدد من التدابير:
أولا: تحسين مناخ الاستثمار في القارة من خلال تحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي باعتباره من الدعائم الأساسية لجذب الاستثمارات الأجنبية للقارة, خاصة في مجالات الزراعة والموارد المائية.
ثانيا: توظيف الشراكات الدولية مع إفريقيا في خدمة القطاعات التي تحقق منفعة لأبناء القارة كنقل الخبرات, وتدريب الأفارقة علي التقنيات الحديثة, ومدهم بالتمويل اللازم للارتقاء بقطاعات الزراعة والبنية التحتية التي تعد العناصر الأساسية للنمو الاقتصادي والأمن الغذائي.
ثالثا: يتعين علي الدول المتقدمة الوفاء بالتزاماتها تجاه إفريقيا علي الأقل الحد من الإجراءات الحمائية التي تتخذها علي منتجاتها, والدعم الزراعي الهائل, الذي تقدمه لمزارعيها, الذي يؤثر بالسلب علي الاقتصاديات الإفريقية.
لذلك علي المجتمع الدولي الحد من سياساته غير العادلة التي تنتهجها الدول المتقدمة تجاه الدول النامية خاصة إفريقيا التي لا تستطيع صادراتها المنافسة في السوق العالمية التي تفقد سنويا ما يقرب من40 مليار دولار بسبب إجراءات الحماية التي تتخذها الدول المتقدمة لمزارعيها في حين تغلق أسواقها أمام المنتجات والسلع الإفريقية.
رابعا: ضرورة التركيز علي التكامل الإقليمي والقاري من أجل النهوض بعملية الزراعة وتحقيق الاكتفاء الذاتي. ومن ثم, فإن قرار الاتحاد الإفريقي بوضع استراتيجية لإحياء التعاون العربي الإفريقي من خلال جامعة الدول العربية يعد خطوة مهمة في تحقيق هذا التكامل والاستعانة برؤوس الأموال العربية في دعم خطوات التنمية, وتوفير الإمكانات وتبادل الخبرات بما يحقق منفعة للجانبين, وفي هذا الإطار يعقد في سبتمبر المقبل مؤتمر لوزراء الزراعة الأفارقة والعرب كأول خطوة في إعادة بناء العلاقات العربية الإفريقية بعد خروجها من العناية المركزة التي دامت أكثر من ثلاثين عاما منذ عقد أول قمة عربية إفريقية بالقاهرة.
خامسا: أهمية توسيع مشاركة الفئات الشعبية والمجتمع المدني في التخطيط, وإقرار السياسات الزراعية والغذائية, وكذلك الارتقاء بمشاركة المرأة الريفية في ظل الاتجاه لتأنيث الزراعة بعد توجه الرجال للعمل في المدن, وأكبر مثال علي ذلك وانجاري ماتاي الكينية الحاصلة علي جائزة نوبل للسلام, وهي أول سيدة في إفريقيا تحصل علي تلك الجائزة, وذلك من خلال رئاستها لحركة الحزام الأخضر, حيث قامت باستخدام النساء في بلدها لزراعة300 ألف شجرة بهدف الحفاظ علي البيئة لمواجهة ظاهرة التصحر إلي جانب كونها صناعة لكسب الرزق, ووفقا لماتاي فإن السبيل لتحقيق الأمن والاستقرار في العالم هو الحفاظ علي الموارد وحسن إدارتها, لأن أغلب الصراعات سببها السيطرة علي الموارد والرغبة في حرمان الآخرين منها, وبالتالي إذا توافرت كل هذه العوامل سيتحقق مقومات الأمن الغذائي في القارة, وسنتمكن من تحقيق الاكتفاء الذاتي.
سادسا: القارة السمراء تعاني ضعف البحث العلمي في مجال صناعة تكنولوجيا اللحوم للعديد من الأسباب أهمها نقص التمويل وإحجام رأس المال الخاص في تمويل تلك المشاريع, لذا لابد من التوعية بأهمية الاستثمار في مثل هذه الصناعات التي يمكن أن تحقق الأمن الغذائي لإفريقيا وتؤدي إلي سد الفجوة الغذائية هذا إلي جانب العمل علي استغلال الحبوب التي تتمتع بقدر كبير من الفيتامينات التي يمكن أن تكون بديلا للعديد من المنتجات, وعلي رأسها فول الصويا, الذي يستخرج منه الألبان والزيوت والدقيق, والذي يتوافر بكميات كبيرة في القارة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق