
برغم أن إفريقيا لم تشارك بأي شكل من الأشكال في حدوث الأزمة المالية العالمية الحالية إلا أن المفارقات العجيبة جعلت من هذه القارة السمراء العجوز أكبر ضحية لهذه الأزمة التي لا يمكن التنبؤ بموعد انفراجها, ففي تقرير أصدره البنك الدولي أخيرا أكد خبر اء البنك أن تأثير الأزمة المالية قد يكون أعنف كثيرا في إفريقيا منه في الاقتصادات المتقدمة, نظرا لأن تراجع مستويات الدخل يزج بالأسر تحت خط الفقر, وبالتالي يتحول إلي مسألة حياة أوموت.وكشف اوبياجيلي ايزكويسيلي نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة افريقيا ان النمو الاقتصادي في إفريقيا سيتباطأ الي2.4% في عام2009 انخفاضا من4.9% خلال عام2008, وذلك كنتيجة مباشرة للأزمة المالية العالمية, وهو مافسره شانتا ديفاراجان كبير الاقتصاديين المختصين بشئون افريقيا في البنك بأن انخفاض النمو بواقع نقطتين أو ثلاث نقاط مئوية سيكون له آثار كارثية في بلد فقير بالفعل.
وأضاف شانتا ديفاراجان في تفسيره بأنه في بريطانيا مثلا حيث ينتظر أن ينكمش الاقتصاد بنسبة3.5% خلال عام2009, فإن الآثار الرئيسية المتوقعة للأزمة هي تراجع انفاق المستهلكين, والحجز علي مساكن, وفقدان وظائف, أما في افريقيا فإن تراجع الدخل يمكن أن يصبح مسألة حياة أو موت.
وأردف' لا أحد يتحدث عن ارتفاع معدلات وفيات المواليد عندما يحدث انخفاض في النمو في أوروبا والولايات المتحدة, ولكن في إفريقيا حيث يعيش الناس علي حد الكفاف, فان انخفاض النمو قد يؤدي الي وفاة700 ألف مولود آخر قبل أن يتموا عامهم الأول.'وأكد دافاراجان في مقابلة له بصحيفة لوموند الفرنسية أن الأزمة ستدفع ستة ملايين شخص في هذه المنطقة إلي الفقر المدقع, بحيث يكون دخل الفرد اليومي أقل من2.5 دولار.
وحدد أربع قنوات بدأت الأزمة تنتشر عبرها في القارة السمراء منذ يناير الماضي, وهي انخفاض الطلب العالمي علي المواد الأولية وانحسار الاستثمارات الأجنبية, والتراجع شبه المؤكد للمساعدات الدولية, ناهيك عن انخفاض مبالغ التحويلات المالية للعمال المغتربين إلي ذويهم.
ومن ناحيتها حذرت منظمات إغاثة من التأثير السلبي لأزمة الائتمان علي الفقراء, إذ أن ضخ مليارات الدولارات لإنقاذ النظام المالي في العالم سيؤدي إلي تخفيض حاد للمعونات الإنسانية التي تقدمها الدول الكبري في إطار جهود محاربة الأمراض والفقر وإيواء اللاجئين, واتساع الهوة بين أغنياء العالم وفقرائه, وهو مايعني أن تحويل الأموال إلي إغاثة اقتصاديات الدول الكبري يعني تراجع المعونات للدول الإفريقية وغير الإفريقية التي كانت تحصل علي قدر من تلك الأموال كمعونات نقدية أو عينية.
ولم يتوقف تأثر الدول الإفريقية بالأزمة المالية العالمية عند حد تراجع المعونات المقدمة لتلك البلدان الفقيرة, ولكن أيضا تراجع صادرات تلك الدول, سواء من الخامات أو الصناعات البسيطة لبقية دول العالم حيث أكد تقرير اقتصادي حديث للبنك الإفريقي شمل47 دولة إفريقية أن انهيار أسعار المواد الأساسية, فضلا عن تراجع الطلب من جانب الدول الصناعية الكبري تسبب في حدوث تأثير سلبي علي الموازنات المالية لدول' القارة البائسة' بعجز يقدر بنحو5.5% مقابل عجز بنسبة3.4% في2008.وأبرز البنك الذي يتخذ من تونس مقرا مؤقتا له في تقرير بعنوان' الآفاق الاقتصادية لسنة2009' الانعاكاسات' السلبية جدا' علي معظم الدول الافريقية جراء الازمة المالية العالمية, حيث أشار إلي أن عددا محدودا من الدول الافريقية سيتمكن من تخفيض عدد السكان الذين يعيشون بمعدل للدخل اليومي بأقل من دولار واحد من الآن وحتي عام2015.إلا أن التقرير الذي أصدره البنك الافريقي بمناسبة انعقاد اجتماعاته السنوية حاليا في العاصمة السنغالية داكار عبر في الوقت ذاته عن' تفاؤل حذر' بعودة نسق النمو إلي نسب افضل مطلع عام2010, وذلك في ضوء التزام6 من اكبر البنوك العالمية في التنمية بتخصيص حوالي15 مليار دولار لدعم مختلف قطاعات التنمية في القارة لاسيما منها القطاع المالي, وقطاع الصناعات الغذائية, وقطاع المؤسسات الصغري والمتوسطة, وقطاع البنية الاساسية.
وتوقع التقرير عودة نسبة النمو الاقتصادي إلي مستوي4.5% سنة2010 مقابل حوالي2.8% للعام الجاري لمجمل دول القارة متوقعة نسبة نمو بواقع2.4% للدول الافريقية المنتجة للنفط سنة2009.وفي اجتماع أقيم في لندن مؤخرا حذر زعماء أفارقة من أن أجزاء من القارة السمراء قد تعود إلي الاقتتال إن لم تتلق المساعدة اللازمة لتجنب عواقب الأزمة الاقتصادية العالمية, موضحين أن معالم الأزمة بدأت تتضح في إفريقيا, التي تضم السكان الأكثر فقرا علي وجه الكوكب, مؤكدين أن تأثير الأزمة عليها أكبر مما كان متوقعا سابقا.وفي ذلك الاجتماع الذي حضره رئيس الوزراء البريطاني جوردون براون جري عرض تقارير مأساوية عن الأوضاع في القارة السمراء, من بينها فقدان نحو500 ألف شخص وظائفهم في مناجم النحاس في زامبيا, ومزارعين عاطلين من العمل في تنزانيا حيث انخفضت أسعار القطن إلي النصف, إضافة إلي تدني دخول السياحة وحوالات العاملين بالخارج.
وللتخفيف من وقع الصدمة اعتبر المدير العام لصندوق النقد الدولي أن إفريقيا بحاجة لتمويلات إضافية بمستوي11 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة, لكن احتياجات الدول النامية كافة تفوق هذا المبلغ بحسب البنك العالمي.وعما ينوي البنك الدولي القيام به للتصدي لهذا الوضع المأساوي لإفريقيا في ظل الأزمة المالية, قال دافاراجان إن مؤسسته تخصص نصف مبلغ مساعدات الدول الفقيرة البالغ43 مليار دولار علي مدي ثلاث سنوات للدول الإفريقية, وأنها ستزيد ما تقدمه من مساعدة للزراعة في هذه القارة مليار دولار بدلا من أربعمائة مليون سنويا في السابق, وعبر عن أمله في أن تفي الدول المانحة بتعهداتها في هذا الشأن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق