يأتي احتفال العام الحالي بيوم إفريقيا وسط ظروف ومتغيرات صعبة تعيشها القارة السمراء نتيجة الأزمة المالية العالمية فرغم أن الاتحاد الإفريقي جعل عبارة الاستثمار في الزراعة من أجل النمو الاقتصادي والأمن الغذائي شعارا للاحتفال الا أن الخبراء الاقتصاديين يؤكدون أن الأزمة المالية ستكون لها نتائج كارثية علي فقراء القارة.في الوقت الذي كان ينبغي أن تحتفل فيه الدول الأفريقية بيوم إفريقيا وقد أرست المثل والمباديء العظيمة التي ألهمت مؤسسي منظمة الوحدة الإفريقية منذ إنشائها عام1963, من أجل القضاء علي بقايا الاستعمار والعمل علي تقوية الوحدة بين الشعوب الأفريقية وتنسيق وتكثيف التعاون بينها لصالح التنمية والدفاع عن سيادة الدول الأعضاء في المنظمة ووحدتها الترابية, إلا أن ذلك لم يحدث بالشكل المطلوب خلال العقود الأربعة الماضية التي مرت علي إنشاء منظمة الوحدة الإفريقية التي تحولت في عام1999 إلي الاتحاد الإفريقي, ومازالت المشكلات البينية بين الدول الأفريقية تمثل أحد التحديات الرئيسية التي تواجه دول القارة وتستنزف مقدرات شعوبها وتعطل مسيرتها وتتهدد مصائرها.ولا أدل علي ذلك من نموذجين للخلاف والصراع في القارة, أولهما هو هذا الوضع المتفجر بين كل من السودان وتشاد وثانيهما هو الصراع الأثيوبي الاريتري الذي أصبح جزء كبير منه يدور الآن علي مايبدو فوق أرض الصومال التي يبدو أنها مازال بينها وبين الاستقرار المنشود بون شاسع.
وقد أعلنت وزارة الدفاع السودانية أخيرا أنها ستسحق أي قوة تشادية تحاول اختراق الحدود السودانية, وقد جاء ذلك ردا علي التصريحات الصادرة من وزير الدفاع التشادي التي هدد فيها بدخول الأراضي السودانية لتعقب تجمعات المعارضة التشادية, التي قال إن السودان يأويها ويدعمها ويدفعها لإسقاط النظام في تشاد, وهي التهمة نفسها التي يوجهها السودان لتشاد بإيواء ودعم المعارضين له من متمردي دارفور.وقد زادت حدة التصعيد بين البلدين بدلا من أن تهدأ بعد توقيعهما اتفاق الدوحة أخيرا, مثلما كان يحدث تماما بعد كل اتفاق يوقعانه تحت الضغط علي مايبدو, كما حدث في اتفاقات طرابلس وداكار ومكة المكرمة, وقد تحولت المعركة بين النظامين الحاكمين في كل من تشاد والسودان إلي مايشبه العملية الثأرية بعد أن وصلت قوات المتمردين التشاديين إلي العاصمة نجامينا في فبراير من العام الماضي وحاصرت القصر الرئاسي, فلم يهدأ بال النظام التشادي إلا بعد أن أعاد الكرة ودعم وصول متمردي دارفور من حركة العدل والمساواة إلي الخرطوم لأول مرة في مايو من العام الماضي.
ويجزم بعض المراقبين أنه لن تحدث تهدئة بين البلدين إلا بتغيير أو إسقاط أحد نظامي البلدين فيما يعتبر القائمون علي الوساطات بشأن تسوية في دارفور أنها لن تتحقق بدون تهدئة بين البلدين, ولكن الواقع يؤكد أن ذلك مرهون بحل حقيقي للنزاعات الداخلية في كلا البلدين, وتجدر الإشارة هنا إلي أن النزاع الداخلي في تشاد لايتم التركيز عليه من قبل المنظمات والقوي الدولية الكبري كما هو الحادث بشأن السودان, وإن صدرت مؤخرا تصريحات مخففة تطالب الحكم في تشاد بإجراء حوار مع معارضيه, فالمعارضة التشادية تطالب كما المعارضة السودانية في دارفور بتقاسم عادل للسلطة والثروة مع كل مكونات الشعب التشادي وإرساء أسس نظام ديمقراطي, ومثل ذلك ينبغي أن يكون الحل في دارفور حلا عادلا وشاملا, وفي إطار تسوية شاملة تفضي إلي تحول ديمقراطي في السودان, وليس عبر اتفاقات جزئية أو مرحلية.
ومما يزيد من حدة الصراعات في هذه المنطقة الحيوية في قلب القارة الأفريقية هو تقاطع المصالح الدولية, والموقف الفرنسي الداعم للنظام التشادي, وتداعيات المحكمة الجنائية الدولية وقرارها باعتقال الرئيس السوداني عمر البشير, ومايراه السودان من أن تشاد هي المكان الذي أديرت وتدار فيه مؤامرات المحكمة الجنائية ضده, وكل ذلك يستنزف في النهاية موارد وطاقات شعبي الدولتين وتنعكس آثاره السلبية بشكل كبير علي المنطقة الحدودية التي لايكاد يفرق فيها المرء بين من هو تشادي ومن هو سوداني, فهذه الحدود السياسية التي صنعها المستعمر ماهي في الواقع إلا حدود وهمية فرقت بين أبناء الأسرة الواحدة وقسمت القبيلة الواحدة, ثم جاء التطاحن الأخير ليزيد معاناة الناس في هذه المنطقة ويزيدها صعوبة.
أما النزاع الأثيوبي الأريتري فلم يكن صراعا حدوديا فقط, وإنما البعد الحدودي هو أحد أوجه الصراع أو أحد مخرجاته, فهو يرتبط في جزء منه بالأوضاع الاقتصادية, وفي جانب آخر بالقيادة السياسية في كلتا الدولتين, وفي جانب ثالث يرتبط بالعامل النفسي الذي لايزال يشكل هاجسا كبيرا في علاقة البلدين ببعضهما البعض, والذي انعكس بدوره علي ممارساتهما بعد استقلال أريتريا الفعلي عام1991, فأثيوبيا لم تنس أن أريتريا كانت في يوم من الأيام خاضعة لها, وأنها تشكل أهمية بالغة بالنسبة لها نظرا لوجود موانيء أريترية علي ساحل البحر الأحمر كميناءي مصوع وعصب, في حين أن أثيوبيا أصبحت دولة حبيسة واضطرت لاستخدام ميناء جيبوتي رغم أن تكلفته الاقتصادية أعلي, ومنذ استقلال أريتريا أثيرت عدة نزاعات حدودية كانت أريتريا أحد أطرافها, واستطاعت حلها مع اليمن, وبانتظار التنفيذ مع أثيوبيا, هذه الحدود التي خططها الاستعمار تضم امتدادات سكانية لشعب واحد في المنطقة, وقد أذكي الخلاف بين الدولتين التنافس فيما بينهما في منطقة القرن الأفريقي لقيادة المنطقة, إضافة إلي أسباب أخري تتمثل في رغبة كل زعيم في كلتا الدولتين بتأمين بقائه في الحكم والحفاظ علي تماسك بلده, حيث تكمن في كلتا الدولتين بذور الاختلافات القبلية والخلافات السياسية, وقبل سنوات انتقلت المواجهة بين الدولتين إلي أراضي الجارة الصومال وأيضا بشكل نسبي في جيبوتي, وهناك مخاوف أن يؤدي ذلك إلي تجدد المواجهات والمعارك الواسعة المدمرة بينهما مرة أخري كما حدث في الماضي وأدي إلي سقوط عشرات الآلاف من القتلي والجرحي, بين شعب واحد علي جانبي الحدود في الدولتين, ولاشك أن أولي خطوات الحل في الصومال تكمن في التهدئة بين اثيوبيا وأريتريا وبذل الجهد لتثبيت الحكومة الانتقالية الحالية برئاسة شيخ شريف شيخ أحمد التي تمثل بارقة أمل حقيقية نظرا لما حظيت به من دعم دولي وإقليمي واسع, وإن كانت هناك ضرورة لتوسيعها لتضم باقي الأطراف الصومالية بشكل أو بآخر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق