مرة أخري يتدخل القضاء الإداري ويصدر حكمه في12 مايو الحالي بإلزام وزارة الاتصالات بحجب ما أسماه المواقع الإباحية, وليعيد ذلك للأذهان حكمه السابق في27 ديسمبر2007 برفض دعوي قضائية لحجب مواقع ومدونات باعتبار أن هذا ضد حرية الرأي, وعبرت كلتا الحالتين بوضوح عن مدي الحاجة لتنظيم استخدام الإنترنت في مصر ذات الطبيعة المزدوجة, فهو من جانب يحمل أهمية استراتيجية للمجتمع في جميع المجالات, ومن جانب آخر أصبح له تأثير سلبي علي نمط القيم والسلوك داخل المجتمع.
ولا شك أن الأبعاد القانونية ومعها الأمنية لها تأثير مباشر علي تعظيم الاستفادة من الانترنت وتلافي الجوانب السلبية والتي منها الحد من انتشار المواقع الإباحية بما لها من تأثيرات اجتماعية وثقافية, لاسيما ظهور نمط جديد من الجرائم داخل المجتمع المصري.
يأتي هذا مع عدم قدرة الدولة في كل العالم وليس فقط في مصر علي التحكم في محتوي ما يتم تداوله عبر الإنترنت الذي يتميز بسرعة نقل المعلومات من أي مكان وفي أي وقت, وبكونه وسيلة إعلام يكون للفرد دور في صياغة المادة الإعلامية وإنتاجها وتداولها, ويحمل ذلك في مضمونه قيما ثقافية مختلفة يمثل جزء منها تحديا للقيم المصرية الأصيلة خاصة إذا ما توافرت بيئة داخلية ضعيفة سواء علي المستوي الثقافي أو الاقتصادي أو الاجتماعي وضعف المواجهة القانونية.
وإلي جانب ما يحتويه الإنترنت من ملايين المواقع الدينية أو السياسية أو الإخبارية أو العامة ومواقع خدمات الحكومة الإلكترونية, هناك أيضا المواقع التي تنشر مواد إعلامية ذات طبيعة إباحية, ويبلغ عددها وفق بعض التقديرات4.2 مليون ويبلغ عدد صفحاتها20 مليونا, وهناك من يقول أنها تصل إلي أكثر من سبعة ملايين موقع.
وتدعي إحدي الإحصاءات أن المصريين من أكثر الشعوب بحثا عن الجنس عبر الانترنت, وإن كان الأمر كذلك فحري بنا أن نطرح تساؤلا جوهريا مفاده لماذا يقبل الشباب المصري علي مثل هذه المواقع؟.
وترجع أهمية هذا التساؤل وما يرتبط به من تساؤلات أخري إلي عدة أمور أهمها زيادة انتشار استخدام الانترنت في مصر لما يزيد علي12 مليون مستخدم, فضلا عن توفير خدمة الانترنت علي الهواتف المحمولة والمرشحة بالتزايد مع وجود أكثر من30 مليون مستخدم للهاتف المحمول في مصر.
ثانيا: لأن المواقع الإباحية تتميز بأنها سريعة ومتطورة ومتنوعة ويتم توظيفها في الجريمة خاصة مع عدم تبني قانون لمكافحة جرائم المعلوماتية فضلا عن البعد الدولي لاستخدامات الانترنت واختلاف النظم القضائية بين الدول ووجود الملايين من المواقع التي يصعب السيطرة الأمنية والفنية عليها.
فضلا عن وجود نمط من الاستخدام يتميز بالتنوع والتداخل ودرجة عالية من الذكاء تمكن المستخدم من تفادي العقبات الفنية وحتي القانونية.
ثالثا: وهو الأهم وله صلة بالأبعاد الاجتماعية مباشرة فهناك بطالة بين الشباب في حدود9%, وارتفاع سن الزواج بين المصريين إذ يوجد9 ملايين فوق سن الخامسة والثلاثين, و7 ملايين بنت وما يقرب من11 مليون شاب فوق20 عاما لم يتزوجوا, هذا بالإضافة إلي ارتفاع عدد المطلقات سنويا, فهناك567 ألف حالة طلاق في عام2008 وحده مقابل48 ألف حالة زواج, وهناك40% من حالات الزواج خلال السنوات الثلاث الماضية انتهت بالطلاق
رابعا: هناك ضعف في المحتوي العربي علي الانترنت الذي لا يتعدي نصف في المائة من حجم المحتوي, والجانب الاكبر من المواد الترفيهية وقليل من المواقع من يهتم بالجوانب العلمية, وربما لذلك صلة بشيوع النمط الاستهلاكي لدي المصريين.
لقد جاء قرار المحكمة ليعيد الاعتبار لنوع من المواجهة ذات الطابع التدخلي الحكومي عبر القيام بحجب المواقع الإباحية, وهو ما يثير أسئلة عديدة حول القدرات الفنية المتاحة لتنفيذه فعلا.
وثمة من يري أن هذ الفعل الحكومي ينطوي علي نوع من الوصاية علي المجتمع وانتهاكا لحريته, وهناك من رأي أن ذلك لا يعني انتهاك حرية الأفراد نظرا لأنه يستهدف حفظ الأمن الاجتماعي والقيم المصرية وهو ما له الأولوية.
واتجاه ثالث يري أن حجب تلك المواقع وإن تضمن قدرا من انتقاص حرية الأفراد لكنه أمر مهم في سبيل توفير خدمة آمنة للانترنت.
وأخيرا يري آخرون انه من الصعوبة بمكان حجب كل هذه المواقع بل ربما أدت هذه الجهود الحكومية إلي تزايد الإقبال عليها.
في خضم هذا الجدل حري بنا أن نشير إلي أنه في الولايات المتحدة وأوروبا تتم ممارسة عمليات الحجب لمواقع الإنترنت التي تعتبر محرضة علي العنف والإرهاب, وهناك اتجاه ظهر وإن كان ما زال ضعيفا ينادي بحجب المواقع الإباحية علي الانترنت وربما يرجع ذلك لإدراك صعوبة التنفيذ وربما ارتباطها بتجارة تمثل ما يزيد علي12 مليار دولار سنويا, وبدلا من ذلك تم التقدم بشأن تبني أطر قانونية تواجه الآثار الضارة لهذه المواقع وتم بالفعل تبني اتفاقية بودابست عام2001 لمكافحة الجريمة الالكترونية وتوسيع دائرة التصديق عليها, ويعكس ذلك اتجاها عالميا يدعو إلي انه تلافيا لعدم القدرة علي السيطرة علي المواقع الإباحية فإنه
أولي لنا أن نعمل علي حماية الفئات الأكثر عرضة لتأثيرها الضار وخاصة الأطفال من الاستغلال الجنسي وإلزام هذه المواقع بنشر تحذيرات تعبر عن محتواها وألا يدخلها اقل من18 عاما, وفرض قيود قانونية علي عرض الصور الجنسية أو نقلها أو حفظها أو تغييرها ونشرها.
ومقابل هذه السياسة, توجد دول عديدة ـ وإن كانت قليلة نسبيا ـ بحجب كلي لتلك المواقع وكان منها الصين والسعودية, ولكن تشير الدلائل أن هذا الأسلوب لم يعد فعالا وأصبح أكثر تكلفة تتحملها الدولة في توفير المرشحات الفنية والمهندسين وشراء البرامج التي سرعان ما يتم اختراقها بسهولة. وتشير الدراسات إلي انه يتم تداول80% من المواد الإباحية عبر غرف الدردشة, كما ان عمليات الحجب للمواقع أدت لبروز مصادر أخري عبر اشتراكات القنوات الإباحية أو تبادلها عبر الهاتف المحمول أو الشرائط أو الأقراص المدمجة والقنوات الفضائية والأفلام, واستخدام الانترنت الفضائي, وهناك أيضا برامج الوسائط المعروفة باسم' البروكسي' لفك الحجب, وقد أبرزت دراسة علمية سعودية أن الحجب يؤدي لتأثر65% من الباحثين سلبا عن المعلومات لأغراض بحثية
ونافلة القول إن مكافحة الإباحية تحتاج لاستراتيجية شاملة لمعالجة أسبابها فلا تكفي فقط المعالجة الأمنية أو القانونية بل يحتاج الأمر إلي مواجهة الإباحية في كافة وسائل الإعلام والاتصال, والعمل علي زيادة المحتوي العربي علي الانترنت, وحماية الأطراف الأكثر تعرضا للضرر كالأطفال وتعاون الآباء والأبناء في وجود انترنت آمن, وسرعة تبني قانون مكافحة الجرائم المعلوماتية, ودفع تعاون الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني لإيجاد ثقافة استخدام الإنترنت كوسيلة آمنة تفيد المجتمع وتطوره, ولا يقل ذلك عن أهمية مواجهة المشكلات الاجتماعية والاقتصادية التي يعانيها المجتمع المصري.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق